ابن الأثير

24

أسد الغابة ( دار الفكر )

ابن مخزوم ، وهو جد سعيد [ ( 1 ) ] بن المسيب بن حزن بن أبي وهب ، فتناول حجرا من الكعبة فوثب من يده فرجع إلى موضعه ، فقال يا معشر قريش ، لا تدخلن في بنيانها من كسبكم إلا طيبا ، ولا تدخلوا فيها مهر بغى [ ( 2 ) ] ، ولا ربا [ ( 3 ) ] ولا مظلمة . وقيل : إن الوليد بن المغيرة قال هذا . فهدموها واقتسمت قريش عمارة البيت ، فكان الباب لبني عبد مناف وبنى زهرة ، وكان ما بين الركن الأسود واليماني لبني مخزوم وتيم وقبائل من قريش ، وكان ظهرها لسهم وجمح ، وكان شق الحجر لبني عبد الدار وبنى أسد ، وبنى عدي بن كعب ؛ فبنوا حتى بلغ البناء موضع الركن [ ( 4 ) ] ، فكانت كل قبيلة تريد أن ترفعه حتى تجاذبوا وتخالفوا وأعدوا للقتال ، فبقوا أربع ليال أو خمس ليال ، فقال أبو أمية المخزومي : يا معشر قريش ، اجعلوا بينكم أول من يدخل من باب المسجد ، فلما توافقوا على ذلك ورضوا به ، دخل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فقالوا : هذا الأمين قد رضينا به ، فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر ، فقال : هلموا ثوبا ، فأتوه به ، فوضع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم الركن فيه بيده ، ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم ارفعوا جميعا ، فرفعوه حتى إذا بلغوا به موضعه ، وضعه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بيده ، ثم بنى عليه . وكان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يسمى في الجاهلية : الأمين ، قبل أن يوحى إليه . وقيل : كان سبب بنائها أن السيل ملأ الوادي ، ودخل الكعبة فتصدعت ، فبنتها قريش . وقيل : إن الّذي أشار بأول من يدخل أبو حذيفة بن المغيرة ، وكانت هذه فضيلة لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم على سائر قريش ، ومما قدمه اللَّه له قبل المبعث من الكرامة . ذكر المبعث قالوا : بعث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، وله أربعون سنة ، وذلك في ملك أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان ملك الفرس . وقال ابن المسيب : بعثه اللَّه ، عز وجل ، وله ثلاث وأربعون سنة ، فأقام بمكة عشرا ، وبالمدينة عشرا . وقال ابن إسحاق : بعثه اللَّه وله أربعون سنة ، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ، وبالمدينة عشرا . وقيل : إنه كتم أمره ثلاث سنين ، فكان يدعو مستخفيا إلى أن أنزل اللَّه تعالى « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ ( 5 ) ] » فأظهر الدعوة .

--> [ ( 1 ) ] كان من أعلام التابعين ، قال عنه علي بن المديني : « لا أعلم في التابعين أوسع علما منه ، وهو عندي أجل التابعين ، توفى سنة 93 ، أو 94 ، ينظر العبر للذهبي : 1 - 110 . [ ( 2 ) ] البغي : الزانية . [ ( 3 ) ] عبارة السيرة 1 - 194 : « ولا بيع ربا » قال السهيليّ في الروض 1 - 131 : « يدل على أن الربا كان محرما عليهم من في الجاهلية ، كما كان الظلم والبغاء وهو الزنا ، محرم عليهم ، يعلمون ذلك ببقية من بقايا شرع إبراهيم عليه السلام » . [ ( 4 ) ] يعنى بالركن الحجر الأسود ، سمى بذلك لأنه مبنى في الركن . [ ( 5 ) ] الشعراء : 214 . [ أسد الغابة - كتاب الشعب ]